عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

83

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

خيال جمال صفاته وتقربوا إلى جلال ذاته فهم في كل واد يهيمون وكل بارقة يشيمون ، يدور رحى الحزن على دموعهم وتفور نار الشوق بين ضلوعهم ، قد فنوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب وفقدوا طلبهم بوجدان المطلوب ، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء . أحياء غير أموات . فطورا يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي ، وتارة يخشونه فيهربون عند الحجب والستر وكيف الطرب ولا مقرب وإلى أين الهرب ، ولا مهرب ، فإن قيل ما المحبة ؟ قلنا : بدايتها موافقة المحبوب وترك مخالفته . تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا محال في القياس بديع لو كنت تصدق حبه لأطعته * إن المحب لمن أحب مطيع في كل يوم يبتديك بنعمة * منه وأنت لشكر ذاك مضيع ووسطها أن لا يؤثر على اللّه غير اللّه ونهايتها ، نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، نار وقودها الناس والحجارة ، نار لا تبقي ولا تذر ، نار تحرق في الدنيا قلوب العاشقين وفي الآخرة جلود الفاسقين ، نار توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي اللّه لنوره من يشاء ويضرب اللّه الأمثال للناس واللّه بكل شيء عليم . فإن قيل : من المحب وما علامته وحاله ؟ قلنا : من وصفهم اللّه في بعض الروايات إن اللّه يقول : كذب من ادعى محبتي وإذا جنه الليل نام عني . أليس كل محب يحب خلوة حبيبه هاأنذا مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم ، ومثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني عن مشاهدة وسألوني على حضوري فلم يجمل بي إلا أن أروح أبدانهم يوم القيامة والناس في هم وكرب وهم على كراس من نور تحت عرشي » . وقال الحسن صاحب الفضيل بن عياض : دخلت على الفضيل وهو يبكي قلت : ما يبكيك ؟ قال : ويحك يا حسن إنه إذا جن الليل وهدأت العيون واختلط الظلام . افترش أهل المحبة للّه أقدامهم وجرت دموعهم على خدودهم وتسمع لدموعهم وقعا على أقدامهم وقد أشرف الجليل سبحانه وتعالى عليهم فنادى : بعيني من تلذذ من كلامي واستراح إلي فإني مطلع عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم وأرى بكاءهم قم فنادي فيهم يا جبريل ما هذا البكاء الذي أسمعه منكم ؟ هل أخبركم أحد أن حبيبا يعذب أحبابه ؟ وهل يجمل بي أن أعذب أقواما وعند الباب أحدهم يطلب مرضاتي ؟ فبي حلفت أنهم إذا وردوا عليّ يوم القيامة جعلت هديتي لهم أن أكشف لهم عن